الزيـديـة نشأتها ومعتقداتها
 

قال تعالى: ((قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا الله وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ الله لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ)). أما بعـد:
فقد عني كثيرٌ من المؤرخين والباحثين والدارسين بالكتابة عن الفرق الإسلامية على اختلاف ميولها، وتباين معتقداتها، ولا سيما فرق الشيعة التي ظفرت بالقسط الأوفر من الدراسات المستفيضة حول نشأتها وأهدافها، ومواطن انتشارها؛ وذلك لما أحدثه ظهورها من تصدُّعٍ في بنيان كيان الأمة الإسلامية، وتمزقٍ في وحدتها، فظهر عنها عددُ كثير من المؤلفات المطوَّلة والمختصرة، والبحوث العلمية بشتى اللغات المشهورة، ما خلا فرقة الزيدية بأقسامها المعروفة التي اقتصر الاهتمام بها عند أتباعها على كتابة سِيَر بعض أئمتها المشهورين، ووصف أحوالهم وما لهم من كرامات، ومناقب حميدة، والعناية بتخليد ذكرهم ببناء توابيت وقباب ومشاهد على قبورهم؛ لترغيب الناس لزيارتها والتبرك بها.
أما الزيدية كفرقةٍ أو مذهب، فإنها لم تنل -في حدود معرفتي- ما تستحقه من الاهتمام بالكتابة عنها بما يكفي لمعرفة حقيقتها معرفةً صحيحة؛ إذ إنَّ ما كُتب عنها في الماضي لم يكن إلا استطراداً ضمن الحديث عن فرقتي الشيعة الجعفرية والشيعة الإسماعيلية .
هذا وقد تصدَّرت في الآونة الأخيرة الدكتورة العراقية فضيلة عبد الأمير الشامي للكتابة عن الزيدية، فصنفت كتاباً عن زيدية جيلان وديلمان بعنوان: (تاريخ الفرقة الزيدية) بين القرن الثاني والثالث للهجرة نشر سنة 1394هـ/1974م.
أما زيدية اليمن، فقد كتب عنها الأستاذ الدكتور أحمد محمود صبحي مؤلفاً كبيراً حينما كان أستاذاً في جامعة صنعاء بعنوان (الزيدية)، ولقي هذا الكتاب رواجاً في أواسط أتباع المذهب الزيدي الهادوي، وأشاد به مَن أشاد منهم، مستشهداً ببعض ما ورد فيه من ثناء حسن لبعض أفكار الزيدية؛ وذلك لأن الدكتور صبحي أثنى عليها حينما ذكر محاسنها في بداية ظهورها. وظنَّ أن زيدية اليمن التي ابتدأت من أواخر القرن الثالث للهجرة، واستمرت إلى عصرنا، هي امتداد لزيدية القرن الثاني التي ظهرت في الكوفة في عهد مؤسسها زيد بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وليس ذلك بشيء، ذلك لأن الصلة بين زيدية اليمن وبين زيدية الكوفة قد انقطعت من القرن الثالث للهجرة الذي ظهرت فيه المذاهب الشيعية، كما سيأتي بيان ذلك في موضعه قريباً من هذه الرسالة إن شاء الله.
ولا شك أن حكم الدكتور صبحي قائم على أساس ما تسنى له الاطلاع عليه من المراجع التي تدور حول الزيدية من وجهة نظر أصحابها وأتباعها، وربما لم يتيسر لـه أن يطلع على ما كتبه المؤرخون المحايدون من يمانيين وغير يمانيين ممن سيأتي ذكرهم في غضون هذا البحث. وهذا هو ما ألزمتُ نفسي القيام به إن شاء الله.
- الزيدية:
فرقةٌ تنسب إلى زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وهي كما وصفها ابن النديم في كتابه (الفهرست) بقوله: " الزيدية الذين قالوا بإمامة زيد بن علي عليه السلام. ثم قالوا بعده بالإمامة في ولد فاطمة كائناً من كان بعد أن يكون عنده شروط الإمامة ".
وهي إحدى فرق الشيعة الثلاث: الزيدية والإثني عشرية (الجعفرية)، والإسماعيلية (زيدية، إمامية باطنية)، ولكن الزيدية أعدلُها وأقربها إلى مذهب أهل السنة والجماعة؛ وذلك لأنها -أي: الزيدية- كانوا لا يعتقدون بما يعتقد به الجعفرية من عصمة الأئمة الإثني عشر والقول بالبداء والتقية والمتعة.
حقيقة العلاقة بين الرافضة والزيدية الأُوَل:
ثم كان من زيد بن علي ما هو معروف من ذهابه إلى الكوفة، وإعلان خروجه على هشام بن عبد الملك، فلما اجتمع إليه أصحابه لقتال يوسف بن عمر والي العراق، خطبهم وأمرهم بسيرة علي بن أبي طالب في الحرب، فقالوا له: قد سمعنا مقالتك. فما قولك في أبي بكر وعمر ؟ فقال: رحمهما الله وغفر لهما، وما عسيتُ أن أقول فيهما، صحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحسن الصحبة، وهاجرا معه وجاهدا في الله حق جهاده، وما سمعتُ أحداً من أهل بيتي يتبرأ منهما، ولا يقول فيهما إلا خيراً، قالوا: فلم تطلب إذاً بدم أهل بيتك، وردِّ مظالمهم إذاً إلاَّ أن وثبا على سلطانكم، فنزعاه من أيديكم، وحملا الناس على أكتافكم يقاتلونكم إلى يومكم هذا؟ فقال لهم: إن أشدّ ما أقولُ فيما ذكرتم: إنا كنا أحقَّ بسلطان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الناس أجمعين، وأن القوم استأثروا به علينا، ودفعونا عنه، ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفراً. قد وُلُّوا، فعدلوا في الناس، وعملوا بالكتاب والسنة. قالوا: فلم يظلمك بنو أمية إذاً!! إن كان أبو بكر وعمر لم يظلماك، فلِم تدعو إلى قتال بني أمية، وهم ليسوا لك بظالمين؟ لأن هؤلاء إنما اتبعوا في ذلك سنة أبي بكر وعمر، فقال لهم: إن أبا بكر وعمر ليسا كهؤلاء، هؤلاء ظالمون لي ولكم ولأنفسهم، وإنما ندعوكم إلى العمل بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وإلى السنن أن تحيا، وإلى البدع أن تُطفى، وإلى الظَّلَمة من بني أمية أن تخلع وتنفى، فإن أنتم أجبتمونا سُعدتم، وإن أنتم أبيتم خسرتم، ولست عليكم بوكيل. قالوا: إن برئت منهما وإلا رفضناك!! فقال: الله أكبر! حدثني أبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لـعلي: (إنه سيكون قومٌ يدّعون حبنا، لهم نَبَزٌ يُعرفون به، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، فإنهم مشركون) اذهبوا فأنتم الرافضة.
وورد هذا الحديث في كتاب الطلاق من كتاب (الأحكام) للإمام الهادي يحيى بن الحسين مروياً بسنده عن أبيه وعمَّيه محمد والحسن، عن أبيهم القاسم، عن أبيه، عن جده، عن إبراهيم بن الحسن، عن أبيه، عن جده الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم الصلاة والسلام، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: (يا علي ! يكون في آخر الزمان قومٌ لهم نّبَزٌ يُعرفون به، يقال لهم: الرافضة، فإذا أدركتهم، فاقتُلهم قتلَهَم الله، فإنهم مشركون) ففارقوا زيداً وخذلوه، وعُرفوا حينئذ بـالرافضة.
وقال عيسى بن يوسف: جاءت الرافضة زيداً، فقالوا له: تبرأ من أبي بكر وعمر حتى ننصرك. قال: بل أتولاهما. قالوا: إذاً: نرفضك!! فمِن ثَمَّ قيل لهم: الرافضة.
وروى المقبلي ما يلي: " قال الإمام الأعظم زيد بن علي: [الرافضة حربي وحربُ أبي في الدنيا والآخرة، مَرَقت الرافضة علينا كما مرقت الخوارجُ على علي] ".
وورد في (رسائل العدل والتوحيد) للإمام الهادي يحيى بن الحسين: فلما كان فعلهم على ما ذكرنا، سماهم حينئذٍ زيد روافض، ورفع يديه، فقال: (اللهم اجعل لعنتك ولعنة آبائي وأجدادي ولعنتي على هؤلاء الذين رفضوني، وخرجوا من بيعتي كما رفض أهل حرورا (الخوارج) علي بن أبي طالب عليه السلام حتى حاربوه).
وأما الزيدية، فقالوا بقوله، وحاربوا معه وهم الذين تمسكوا بعقيدته في الشيخين، وواجه بهم خصمَه حتى استشهد في كناسة الكوفة في اليوم الثاني من صفر سنة 122هـ/738م.
هذه هي عقيدة زيد بن علي في الشيخين أبي بكر وعمر، أعلنها بوضوح وجلاء؛ لأنه كان يتقي الله حق تقاته، ويخشاه أشدَّ الخشية، مع أنه كان في وسعه -لو كان رجل دنيا- أن يُمالئَ هؤلاء الرافضة الذين أرادوا أن يحملوه على اتباع أهوائهم بمشاركته لهم في القدح في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ولو على سبيل التَّقية كما يفعل الإمامية، وذلك ليستميلهم إلى صفه ليعينوه ويناصروه، حتى يتحقق له هدفه من خروجه على هشام بن عبد الملك، ولكنه أبى ورفض طلبهم، وآثر التمسُّك بالحق الذي يجب أن يُتَّبع، ولو أسخط في رضاء الله جميع البشرِ، ذلك لأنه لا يمكن أن يشذَّ عن النهج الذي كان عليه والده زين العابدين علي بن الحسين ومن قبله والدهُ، ثم جدّه علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، في حبهم الصادق لـأبي بكر وعمر وعثمان، فقد قال والده علي بن الحسين: [يا معشرَ أهلِ العراق! يا معشر أهل الكوفة! أحبونا حبَّ الإسلام، ولا ترفعونا فوق حقنا]، وفي رواية: [أحبونا حبَّ الإسلام لله عز وجل، فإنه ما برح بنا حبكم حتى صار علينا عاراً]. وفي إحدى الروايات هذه الزيادة [بما كنتم تنالون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أبغضتمونا إلى الناس].
وجاء في (حلية الأولياء) لـ
أبي نعيم بسنده عن علي بن الحسين، قال: [أتاني نفر من أهل العراق، فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فلما فرغوا، قال لهم علي بن الحسين: ألا تخبرونني أأنتم المهاجرون الأولون ((الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ الله وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ))؟ قالوا: لا. قال: أفأنتم الذين ((تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ))؟ قالوا: لا. قال: أما أنتم فقد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين؛ ثم قال: وأما أنا فأشهد أنكم لستم من الذين قال الله عز وجل: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) [الحشر:10] اخرجوا، فعل الله بكم] وفي رواية: [قوموا عني، لا بارك الله فيكم ولا قرب دُورَكم، أنتم مستهزئون بالإسلام، ولستم من أهله].
أشهر الفرق
الزيدية:
ثم انقسمت فرق الزيدية إلى فرق كثيرة ذكر الشاطبي أنها ثلاث: الجارودية والسليمانية والبترية.
وذكر المهدي أحمد بن يحيى المرتضى أنها -أي: الزيدية- انتهت إلى ست: جارودية، وبترية، والبترية: صالحية وجريرية، ثم قال: وافترق متأخرو الجارودية إلى مطرفية وحسينية ومخترعة.
1- الجارودية:
نسبة إلى أبي الجارود زياد بن المنذر الكوفي الهَمَذَاني، وقيل: الثقفي، وقيل: النهدي، وقيل: زياد بن منقذ العبدي، وقيل: زياد بن أبي زياد. وصفه ابن النديم بقوله: " من علماء الزيدية، أبو الجارود، ويكنى أبا النجم زياد بن منذر العبدي، يقال: إن جعفر بن محمد بن علي عليهم السلام سئل عنه: ما فعل أبو الجارود ؟ فقال: أرجأ بعدما أولى، أما إنه لا يموت إلا بها. ثم قال: لعنه الله، فإنه أعمى القلب، أعمى البصر. وقال فيه محمد بن سنان: أبو الجارود لم يمت حتى شرب المسكر، وتولَّى الكافرين ". توفي سنة 150هـ، وقيل: سنة 160هـ.
ومع هذا الاضطراب العجيب في اسمه، وفي كنيته، وفي لقبه، وفي نسبه، وأيضاً في تاريخ وفاته، فقد أطلق عليه الباقر أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين رحمه الله اسم (سرحوب)، وفسره بأنه شيطان أعمى يسكن البحر.
وقد زعموا -أي: الجارودية- أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على علي بالوصف والإشارة دون التسمية والتعيين، وهو الإمام بعده، والناس قصَّروُا حيث لم يتعرَّفوا الوصفَ، ولم يطلبوا الموصوف، وإنما نصبوا أبا بكر باختيارهم، فكفروا بذلك. وهذا هو ما دفع الشيخ المفيد إلى أن يُلحقَ الجارودية بغلاة الشيعة، ويقرنها بـالإمامية.
ووصفهم الإمام يحيى بن حمزة (المتوفى سنة749) بقوله: " وهم مختصون من بين سائر فرق الزيدية بالتخطئة للصحابة وتفسيقهم. وقد نقل عن بعضهم إكفار بعض الصحابة، والله حسبهم فيما زعموه واعتقدوه، وهو لهم بالمرصاد. وهذه المقالة لا تُنسب إلى أحد من أكابر أهل البيت وعلمائهم وأئمتهم. وعلى الجملة، فهذه فِرْيَة ليس فيها مِرَية، ونحن نبرأ إلى الله من هذه المقالة، وليس علينا إلا إظهار الحجة وبيان وجه المحجّة، فمن اهتدى فلنفسه، وذلك المتوجه علينا، وفي حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا ظهرت البدع ولم يظهر العالم علمه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً)
ثم خلص إلى أن قال: " واعلم أنه ليس أحد من فرق الزيدية أطول لساناً ولا أكثر تصريحاً بالسوء في حق الصحابة من هذه الفرقة ".
وذكر الدامغاني أن هذه المقالة مخالفة لمقالة زيد بن علي، إلا أنه استدرك ذلك، وانفرد بقوله: " وقليل مَنْ يوجد عليها الآن منهم، وإنما الظاهر الآن مِنْ أقوالهم التوقف في أمر الشيخين". (وهذا مخالف للواقع) مع الاعتقاد أن الإمام بعد النبي صلى الله عليه وسلم هو علي. وأنهما قد أخطأا في التقدم عليه خطأً لا يقطع بأنه فسق، فلذلك توقفوا في حالهما.
2- السليمانية أو الجريرية:
نسبة إلى سليمان بن جرير .
3- البترية:
أصحابُ كثير النوا، الملقب بـالأبتر .
وتُدعى الصالحية أيضاً، نسبة إلى الحسن بن صالح بن حي الهمذاني المتوفى سنة 169هـ. وهم يخالفون الجارودية فيما ذكره عنهم الإمام يحيى بن حمزة، ويخالفونهم في أن طريقة الإمامة العقد والاختيار.
هذه هي فرق الزيدية المشهورة التي نشأت في المائة الثانية للهجرة، وأصحابها كلهم متفقون على أفضلية علي بن أبي طالب على من سواه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنهم مختلفون -على تفاوت فيما بينهم- في أحكامهم على مَنْ تقدَّمه من الخلفاء الراشدين، مخالفين في ذلك إمامهم زيد بن علي، وإن كانت (الصالحية) أو (البترية) أقربَ إلى ما كان عليه زيد بن علي، وكذلك إلى حدٍّ ما (الجريرية)، كما أفاد يحيى بن الحسين في "طبقاته" بقوله: " فالذي كان من قبل -أي من قبل المائتين- هم الصالحية والجريرية، وهو الذي كان عليه مذهب زيد بن علي. وأما سائر الفرق، فإنما حدث بعد ذلك، وخالفت زيد بن علي في أصوله وفروعه، ولم يوافقوه إلا في النزر اليسير"، ثم قال: " إلى هنا انتهى ذكر الزيدية الذين كانوا على المذهب الأول، وهو مذهب زيد بن علي ".
نشأة الزيدية في اليمن وبعض عقائدهم:
كما ظهر في ­اليمن يحيى بن الحسين بن القاسم الرّسي، الذي قدم إليها من الحجاز سنة (284هـ/897م) فدعا إلى نفسه بالإمامة، وتلقَّب بـالهادي، وكان عالماً مجتهداً كبيراً، أخذ الأصول (علم الكلام) عن شيخه أبي القاسم البلخي المعتزلي، وأقواله في الأصول متابعة له في الغالب. وأما في الفروع فقد استقلَّ فيه باجتهاده، فخالف زيد بن علي فيما ذهب إليه من اجتهاد، ولم يتقيد بأقواله التي تضمنها (مجموع الفقه الكبير) لـزيد بن علي، و(الجامع الكافي) لأقوال زيد بن علي، ولم يبق لمذهب زيد بن علي الأول في الأصول والفروع منهم متابع.
ومع هذا فقد تغلب اسم المذهب الزيدي على مذهب الإمام الهادي؛ وذلك لأن الهادي وأتباعَ مذهبه يقولون بإمامة زيد بن علي، ووجوب الخروج على الظلمة، ويعتقدون فضله وزعامته، ويحصرون الإمامة فيمَنْ قام ودعا من أولاد الحسنين، وهو جامع لشروط الإمامة المدونة في كتبهم، فمن قال بإمامته فهو زيدي، وإن لم يلتزم مذهَبه في الفروع، فإنَّ أكثر الزيدية على رأي غيره في المسائل الاجتهادية والمسائل النظرية، وكذلك أئمتهم؛ كـالقاسم والهادي والناصر، فهم ينتسبون إلى زيد بن علي، مع أنهم كانوا مثلَه في الاجتهاد، ويخالفونه في كثير من المسائل.
وهذا هو ما أكده الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى بقوله: " فـالزيدية منسوبةٌ إلى زيد بن علي لقولهم جميعاً بإمامته، وإن لم يكونوا على مذهبه في المسائل والفروع، وهي تخالف الشافعية والحنفية في ذلك؛ لأنهم إنما نسبوا إلى أبي حنيفة والشافعي، لمتابعتهم لهما في الفروع ".
وأتباع المذاهب الأربعة يُلحقون المذهَبَ الزيدي الهادوي بمذهب الإمامية (الجعفرية)؛ لموافقته له في التشيُّع، وتقديس الأئمة، وتعظيم قبورهم، وجعلها مزاراً لأتباعهم، ولمخالفة بعض علمائه المقلدين ما ورد من أحاديث في الصحاح والسنن، وتشكيكهم في صحتها ومحاربة أهل السنة، وذلك لما بين المذهبين من وشائج القربى في كثير من المسائل الأصولية والفروعية، فالإمام الهادي يحيى بن الحسين قد تأثر عقائدياً بجده القاسم بن إبراهيم الرسي، الذي ولد ونشأ ودعا إلى نفسه بالإمامة من الكوفة منبت الشيعة ومهدها الأول، وكان هو أول من قال بتقديم توجه الصلاة قبل تكبيرة الإحرام، وهو القائل أيضاً بوجوب الوضوء على كل من قام إلى الصلاة، وإن كان على وضوء، كما أن بعض شيوخ الهادي كان من العراقيْن كالطبريين، ومحمد بن سليمان الكوفي وغيره.
كذلك فإن في الفقه الهادي مسائل مأخوذة من الفقه الجعفري؛ مثل الجمع الدائم بين الصلاتين: الظهر والعصر، وكذلك بين المغرب والعشاء في غير سفر، وترك صلاة الجمعة إلا مع وجود إمام حاكم، وعدم قصر الرباعية في السفر في الغالب، والاحتفال سنوياً بالغدير في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة. وزيادة على ذلك، فإن كثيراً من الأئمة الذين حكموا اليمن قد قدموا إليها من العراقَيْن: عراق العرب، وعراق العجم (بلاد فارس) مثل القاسم بن علي العياني، ووزيره القاسم الزيدي، وكذلك أبو الفتح الديلمي وغيرهم.
لذلك فلا غرابة ولا استنكار إذا أخذ زيدية اليمن يفتحون صدورهم لمن يَفِدُ عليهم من الشيعة الإمامية، ويرحبون به، وينزلونه منزلاً كريماً، كما حكى ذلك العلامة المقبلي بقوله: " ثم رأيناهم -أي: الزيدية- إذا وفد إمامي على هذه الدولة المباركة في اليمن الآن (الدولة القاسمية) وكان ذلك في عهد الإمام المتوكل إسماعيل بن الإمام القاسم بن محمد " هشُّوا إليه، وأجهشوا، وعشعشوا، وانتعشوا، قائلاً لـمحمد بن إبراهيم جحاف : أراكم يفد على هذه الدولة المباركة الرجلُ من الإمامية، فكأنما وفد عليكم ملك، مع أن أصولهم -أي: الإمامية- البراءة منكم، ومن سائر الفرق الإسلامية المنكرين للنص على أئمتهم (الإثني عشر)؛ لأنهم أنكروا ما علم من الدين ضرورةً بزعمهم، ويعتقدون أن أئمتكم منذ زيد بن علي إلى يومنا هذا رؤساء الضلال والكفر، صانهم الله تعالى، ويسمون من خالفهم كافراً ومنافقاً. ثم أضاف المقبلي مخاطباً المذكور: وإذا جاءكم الرجلُ من أهل المذاهب الأربعة، فكأنما رأيتم شيطاناً، مع أن من أصولهم وأمهات المسائل عندهم أن لا يُكفَّر أحد من أهل القبلة، فأخبرني ما هذا؟ فما وجد من الجواب إلا أن قال: الإمامية لم يشتغلوا بنا ولا بأذيتنا، وهؤلاء يرموننا بالابتداع، فقلت له: أيهما أعظم: الرمَّي بالبدعة مع الشهادة لكم بالإسلام، أم الرمي بالكفر واستحلال دمائكم وسبي نسائكم وأبنائكم واغتنام أموالكم؟ فألجم".
لهذا ولما تقدم بيانه، فإن المذهب الإمامي (الجعفري) لا يختلف كثيراً عن المذهب الزيدي الهادوي في اليمن إلا في أنه حصر الأئمة في اثني عشر إماماً فقط، وفي أن أئمته معصومون كالأنبياء، فاستوجب ذلك أن حكم عليه بما حكم على المذهب الإمامي.
فرق جارودية اليمن:
هذا ولم تكد تمرُّ مائة سنة على قدوم الإمام الهادي يحيى بن الحسين رحمه الله إلى اليمن حتى افترق أتباع مذهبه، بعد أن تحولوا إلى الجارودية إلى ثلاث فرق، كما بيَّن ذلك الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى بقوله: وافترق متأخرو الجارودية إلى مطرفية وحسينية ومخترعة وفي هذا تأكيد لما صرح به نشوان بن سعيد الحميري بقوله: " إنه ليس باليمن من فرق الزيدية غير الجارودية، وهم بصنعاء وصعدة وما يليهما ولِما قاله الإمام المنصور عبد الله بن حمزة من أن الزيدية هم الجارودية، ولا يعلم في الأئمة عليهم السلام من بعد زيد عليه السلام مَنْ ليس بجارودي، وأتباعهم كذلك.
ومما يؤكد هذا الحكم ما نص عليه المؤرخ العلامة محمد بن إسماعيل الكبسي المتوفى سنة 1308هـ صاحب كتاب (اللطائف السنية) في كتابه (النفحات المسكية)، وذلك في ترجمة الفقيه أحمد بن أحمد الحملي الذي وصفه بقوله: " وهذا الفقيه على نهج الشيعة الأُوَل شديد الموالاة لوصي رسول الله متجرماً ممن عاداه، وله محبة في مولانا عليه السلام، (ويقصد به الإمام المتوكل محسن بن أحمد، المتوفى سنة1295هـ) واعتقاده صادق، وانتمائه موافق (هكذا) ! لا يزال يصدع بكلمة الحق، وهو ضرير البصر منوَّر البصيرة، مضيء السريرة، من الشيعة الجارودية الذين هم في الحقيقة خُلَّصُ الزيدية وأتباع العترة الزكية، فهم الذين على طريقة أئمة الآل".
والإمام الهادي لم يكن أتباعه كلهم من الجارودية، ففيهم من توقف عن سب الخلفاء الراشدين، بل فيهم من أثنى عليهم وترضى عنهم. والإمام الهادي نفسه قد أمر بجلد من سب الشيخين أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، كما روى ذلك القاضي أحمد بن سعيد الريعاني قاضي الإمام المنصور عبد الله بن حمزة. وقد حكى هذا الخبر المؤرخ يحيى بن الحسين بن الإمام القاسم في (طبقات الزيدية الصغرى) المستطاب، حيث قال: وقد حكاه ابن الوزير في حاشيته (الهداية). ونقله الحجري في كتابه (مجموع بلدان اليمن وقبائلها 1/376)، وذكر يحيى بن الحسين أيضاً في تاريخه (أنباء الزمن) في أخبار سنة (569) ما لفظه: " أجمعت الزيدية المخترعة والمطرفية أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، وأنه لا يجوز سب أبي بكر وعمر ولا غيرهما من الصحابة، وذلك بمسجد الجامع بذمار". هكذا ذكره السيد إبراهيم بن محمد الوزير في حواشي (الهداية)؛ قال: وعلى ذلك خط القاضي جعفر بن عبد السلام والإشهاد عليه. والله أعلم. كذلك فقد ذكر الحسن بن أحمد المعروف بـعاكش في كتابه (الديباج الخسرواني) كلاماً منقولاً عن الإمام عبد الله بن حمزة من كتابه (الشافعي) ما حاصله: " من نسب إلى أحد آبائنا سب الصحابة الذين تقدموا علياً فهو كاذب"، وقال في جواب (المسائل التهامية) بعد أن أثنى على الصحابة السابقين، وعدد مزاياهم بما لفظه: " وهذا مذهبنا لم نخرجه غلطةً، ولم نكتم سواه تقية، وهو من دوننا مكاناً وقدراً يسب ويلعن ويطعن، ونحن إلى الله تعالى من فعله براء".
ومن أشهر أئمة اليمن الذين دافعوا عن الصحابة: الإمام يحيى بن حمزة في كتابه (الرسالة الوازعة للمعتدين عن سب صحابة سيد المرسلين)، وأورد له يحيى بن أحمد بن مظفر المتوفى سنة 875 في كتابه (البيان)، وهو من أهم كتب المذهب الزيدي الهادوي الفقهية، كلاماً عن اعتقاده في الصحابة، مثل: مسألة الإمام يحيى، ولا تصح الصلاة خلف من سب الصحابة رضي الله عنهم الذين تقدموا علياً رض الله عنه، ولم ينقل خلافاً في ذلك. ومن الأئمة العلماء المجتهدين الإمام محمد بن المطهر بن يحيى المتوفى سنة 729، وكان هواه وميوله مع السنة، إلا أنه كان يتحاشى الجهر بها خوفاً من رعاع الناس، كما جاء في قوله:
الرفع والضم التأمين مذهبنا ومذهبُ الآل والأصحاب والفقها
ما كان تركـــي لـه والله عـن مـلَلٍ لكن خشيت على عرضي من السفها

ذكر المؤرخ يحيى بن الحسين بن القاسم في كتابه (بهجة الزمن) أن جده الإمام القاسم توقف في آخر عمره عن سب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين رضي الله عنهم كما جاء في رسالته المسماة (الشجرة).
من الأئمة المتأخرين الذين استنكروا سب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الإمام المتوكل يحيى بن محمد حميد الدين المتوفى سنة 1367هـ (1948م)، وذلك حينما بعث إليه الشاعر عبد الرحمن بن عبيد الله السقَّاف الحضرمي قصيدة في مدحه، تعرض فيها باللعن لبعض الصحابة، وذلك في قوله:
إنا ندين بحبكم ونذوب مِنْ طرب إذا عَرَضاً حديثكُمُ جرى
وإذا ذكرنا ما مَضى في حقّكم كدنا منَ الحسرات أن نتسعرا
علناً نسبُّ عداكَمُ فعليهم لعنُ الإله على الدوام مكررا
لا ينطوي قلب على بغضائكم إلا وقد شنئ النبي الأطهرا
إن جادل السفهاءُ عنهم هاهنا فمن المجادل يوم تنفصم العرى
فليَ الهناءُ بنسبتي لِنجَادِكم نسبا يبذُّ ظهروهَ نارَ القِرى

فما كان من الإمام يحيى إلا أن أبدى اشمئزازه من مسلك ابن عبيد الله السقاف، وبيَّن في جوابه عليه عقيدته في الصحابة، وأنه لا يرضى بالقدح فيهم، فقال عن نفسه:
رجل لـه في نَصر شرعة أحمد ممٌ تطير به إلى أعلى الذرا
يدعو إلى نهج الصواب ونصٍّ آ يات الكتاب بلا جدال أو مرا
والسنة الغراء يقفو إثرَها أكرِمْ بسنة خير مَنْ وطئ الثرا
لا يرتضى نِحَلَ الرَّوافضِ مذهباً وكذاك لم يكُ مثلَ جهمِ مجبِّرا

أما العلماء من غير الأئمة الذين لم يتابعوا الجارودية في عقيدتهم، فهم كُثُر، ولله الحمد والمنة، نكتفي بالإشارة إلى بعضهم، مثل: صارم الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن الهادي بن إبراهيم الوزير المتوفى سنة 914، فقد ذكر في (البسَّامة) ما حدث لبعض الصحابة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم من التنازع حول من يخلفه في أمته. فدعا إلى الترضي عن المشايخ الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وذلك في قوله:
فرضِّ عنهم كمـا رضي أبو حسن وقِف عَنِ السَّبَّ إما كنتَ ذا حذرِأما الرافضة الجارودية منهم، فقد خاطبهم العلامة الشاعر أحمد بن الحسن بركات المتوفى سنة 1196هـ بقوله:
تعالوا إلينا إخوة الرَّفض إن يكن لكم شرعةُ الإنصاف ديناً كديننا
محدنا
علياً فوق ما تمدحونه وسببتُمُ أصحابَ أحمدَ دوننا
وقلتم: بأنَّ الحقَّ ما تدَّعُونَه ألا لعن الرحمن مِنَّا أضلَّنا
وزاد الإمام الشوكاني هذا المعنى إيضاحاً بقوله:
قبيحٌ لا يماثله قبيح لعمر أبيك دين الرافضينا
أذاعوا في علي كلَّ نُكر وأخفوا من فضائله اليقينا
وسبوا -لا رُعوا- أصحابَ طه وعادوا من عداهم أجمعينا
وقالوا: دينهم دينٌ قويم ألا لعن الإله الكاذبينا

حقيقة مذهب الإمام زيد بن علي:
فما هو الذي كان عليه زيد بن علي ، رحمه الله إذاً؟
الجواب: هو ما يحدثنا به العلامة المجتهد المؤرخ يحيى بن الحسين بن الإمام المنصور القاسم بن محمد، المتوفى على رأس المائة الحادية عشرة للهجرة، في كتابه (المستطاب)، المعروف بـ(طبقات الزيدية الصغرى)، بقوله: " وكان السلف من أهل البيت قبل استقرار المذاهب، مجتهدين، مستقلين، ومنهم راجعون إلى غيرهم من الصحابة والتابعين في زمانهم؛ فما زالوا كذلك مدتهم.
والمجتهدون، مثل الحسنين، وأولادهم؛ كـعلي بن الحسين، والصادق والباقر، وزيد بن علي، وكانوا في الأصول الدينية على قولٍ واحدٍ، حسبما كان عليه سيد البرية وأصحابه.
وأما الفروع الفقهية؛ فيختلفون فيها بحسب اجتهادهم، كما تضمنه (الجامع الكافي) في فقههم وأصول دينهم، ثم تفرق أصحابُ زيد بن علي من بعد ذلك.
قال الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى في (الملل والنحل) ما محصوله: " الزيدية افترقت إلى ست فرق: جارودية، وبترية، والبترية: صالحية، وجريرية. وافترق متأخرو الجارودية إلى: مطرفية، وحُسَينية، ومخترعة؛ هذه ست فرق. قلت: وانقرضت فرقة المطرفية، وكان بعض هذه الفرق من بعد المائتين، وبعضها من قبل ذلك، فالذي كان من قبل هم: الصالحية، والجريرية، وهو الذي كان عليه مذهب زيد بن علي، أو ما يقرب منه.
وأما سائر الفرق؛ فإنما حدثت بعد، وخالفت زيد بن علي في أصوله وفروعه، ولم يوافقوه إلا في النزر اليسير".
وغلب على الزيدية من بعد ظهور الهادي يحيى بن الحسين في اليمن اتباعه في مذهبه، في الأصول، والفروع. والهادي له مذهب مستقل لنفسه، ثم فرّع الزيدية بعد ذلك، وحصلوا على مقتضى مذهبه ونصوصه التي في (الأحكام)، و(المنتخب)، وقرر مذهب الزيدية المتأخرين عليه، ولم يبق لمذهب زيد بن علي -الأول- في الأصول والفروع منهم متابع أصلاً.
هذا وقد اختفى بموته المذهب الزيدي الأول الذي كان عليه.
أما زيدية اليمن، فينتسبون عملاً إلى الإمام الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي، الذي قدم إلى اليمن من الحجاز سنة 284هـ/897م؛ فدعا إلى نفسه بالإمامة، وتلقب بـالهادي؛ فكان المؤسس الأول لدولة الأئمة في اليمن.
وقد تحول أتباع الإمام الهادي إلى جارودية، ثم انقسموا إلى ثلاث فرق، كما بيَّن ذلك الإمام الهادي أحمد بن يحيى المرتضى بقوله: " وافترق متأخرو الجارودية إلى مطرفية، وحسينية، ومخترعة"، وقد انقرضت الحسينية، والمطرفية، ولم يبق إلا المخترعة، وهم أقرب ما يكون إلى الإمامية في كثير من المسائل الفروعية، ولا سيما في العبادات. أما في الأصول فإنهم يختلفون عنهم؛ فهم لا يقولون بعصمة الأئمة الاثني عشر، ولا يقولون بالتقية، ولا بالمتعة، ولا بالبداء، والإمام عندهم يثبت بالفضل والطلب لا بالوراثة، كما تقدم بيان ذلك.
زيدية اليمن ومدى صلتهم بزيدية الإمام زيد بن علي:
يسود الاعتقاد لدى طوائف المسلمين وفرقهم المتعددة، أن الزيدية هم أتباع مذهب الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رحمه الله، الملتزمون بفقهه، العاملون باجتهاده، كما هو الحال لدى أتباع مذاهب الأئمة الأربعة السنية: (الشافعية، الحنفية، المالكية، الحنبلية) العاملين بفقه أئمتهم، الواقفين عند حدود نصوصهم.
لكن الأمر بالنسبة لأتباع المذهب الزيدي يختلف اختلافاً بيناً، ذلك لأن الزيدية لم يلتزموا بالعمل بمذهب الإمام زيد بن علي الذي كان عليه ويتقيدوا به، بل جعلوه كأحد المخالفين في مسائل الفقه، كما ذكر الشريف عبد الصمد بن عبد الله الدامغاني، من أعلام المائة السادسة للهجرة أو قبلها، في رسالته (الجوهرة الخالصة عن الشوائب، في العقائد الناقمة على جميع المذاهب)، وذلك بقوله: "ومنها -أي: ومن الأمور التي نَقُم بها على الزيدية- أنهم يخالفون زيد بن علي إمامهم في كثير من الفروع، مع انتسابهم إليه، ويزعمون أنهم أخذوا بفروع أتباعه؛ كما أخذت الشافعية بفروع أصحاب الشافعي، والمالكية بفروع أصحاب مالك، والحنفية بفروع محمد بن الحسن الشيباني وأبي يوسف وزفر، أصحاب أبي حنيفة، وليس بصحيح؛ لأن أصحاب كل فقيه ممن رووا، زادوا على فروع إمامهم، وفرّعوها، ونقحوا الصحيح منها. والزيدية لم يفعلوا ذلك في فقه زيد بن علي، بل جعلوه كأحد المخالفين في مسائل الفقه، وجعلوا عمدتهم في المذهب ثلاثة أئمة: من أولاد الحسن اثنين، ومن أولاد الحسين واحد، وكلهم من أتباع زيد في العقيدة والإمامة، وفروعهم توافق الحنفية، أكثر من غيرهم من الفقهاء.
وهذا هو ما أكده الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى، المتوفى سنة 840هـ/1437م، بقولـه: " فـالزيدية -أي زيدية اليمن- منسوبون إلى زيد بن علي؛ لقولهم جميعاً بإمامته، وإن لم يكونوا على مذهبه في مسائل الفروع، وهي تخالف الشافعية، والحنفية في ذلك؛ لأنهم إنما نسبوا إلى أبي حنيفة، والشافعي؛ لمتابعتهم لهما في الفروع.

زيدية اليمن في هذا العصر:
أما اليوم، فإن أكثر العلويين المنتسبين مذهباً إلى زيد بن علي، ونسباً إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومن اعتزى إليهم من أهل اليمن -وما أكثرهم- قد تحول بعد قيام الثورة الإيرانية سنة 1979م إلى شيعة اثني عشرية تحت غطاء مذهب الإمام زيد بن علي. ولو كان الأمر يتعلق بهؤلاء شخصياً، لهان الخطب، ولكنهم يسعون بنشاط دائم إلى التبشير بهذا المذهب بالدعاية له وتوزيع كتبه مجاناً، غير ما يباع منها في مكتبات خاصة بأثمان زهيدة، وذلك للانتقام من النظام الجمهوري الذي نشر التعليم على نطاق واسع في ربوع اليمن، مراعياً في ذلك توحيد مناهج التربية الدينية بعيداً عن المذهبية الضيّقة، ليكون مقبولاً لدى أتباع المذهبين: الشافعي والزيدي على حدٍ سواء. والذي سهل لـأهل السنة في المناطق السائد فيها المذهب الهادوي الزيدي ممارسة شعائر العبادة في المساجد علناً بحرية تامة من دون خوف ولا وجل، فأقبل كثير من الناس على قراءة كتب السنة طواعيةً؛ لتأكُّدهم أنها هي السبيل الوحيد لإزالة الفوارق المذهبية وتوحيدهم على قلب رجل واحد، فتُمْحى من ذاكرتهم الأحكام التي كانت تصدر من بعض الحكام بالتكفير والتفسيق لمخالفيه مذهبياً، مع أنه يوجد في العلويين مَنْ كان قد ترك التقليد وعمل بأحكام الكتاب وصحيح السنة عن فهم وإيمان واعتقاد، لكنهم تحولوا عن ذلك لدوافع سياسية:
يأبى الفتـى إلا اتبـاع الهـوى ومنهـج الحق له واضـح
مع أنهم يعلمون أن الإمام الهادي يحيى بن الحسين قد هاجم المذهب الجعفري في كتبه، وذكر أنَّ أتباعه على غير حق فيما ذهبوا إليه من عصمة الأئمة الاثني عشر، والقول بالتقية، والبداء، وتكفير من سواهم، مِنْ أصحاب المذاهب الأخرى (رسائل العدل والتوحيد 75).
وكان الأحرى بأتباع مذهب الإمام الهادي -إذا كانوا حريصين على نفي ما رسخ في أذهان أتباع المذاهب الأربعة من أن المذهب الزيدي لا يختلف عن المذهب الجعفري، وأنهما يصدران من مشكاة واحدة أن يلتزموا بما كان عليه الإمام زيد بن علي رضي الله عنه الذي ينتسبون إلى مذهبه اسماً، فيرفضون من رفضهم، ويترضون على من ترضى عنهم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعملون بما جاء في مجموع زيد بن علي من رفع اليدين وضمهما في الصلاة والتأمين.
وما على المرتاب والمتشكَّك في صحة ما كتبتهُ عن زيدية اليمن اليوم إلا أن يحضر مجالسهم ومحافلهم وجمعتهم وجماعتهم ودروسهم، ليتأكد بنفسه أن ما كتبته عن الزيدية ليس رجماً بالغيب، وإنما هو الواقع في أجلى مظاهره وأبرز معالمه.