مؤتمر الحوار وصل إلى طريق مسدود، ورئيس الجمهورية سيكمل ولايته حتى آخر دقيقة
المقاومة باقية لأن لا ضمانات، ولم أفاجأ بالتخطيط لاغتيال نصر الله ؛ لأن القادة الفاعلين هدف للتفجيرات
بيروت ـ من مصطفى ياسين :
أجرى مراسل صحيفة "الرأي العام" الكويتية في لبنان حواراً مع العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله، تناول فيه الأوضاع السياسية في لبنان وفلسطين والعراق، إضافةً إلى ما أقرّه المجمع الفقهي الذي انعقد في السعودية حول مسائل الزواج.
وفيما يأتي نص الحديث كاملاً:
س: أفتى المجمع الفقهي الذي انعقد أخيراً في السعودية بجواز الزواج المسمّى بـ«المسيار» و«الفرند»، ما هو موقفكم من ذلك؟
ج: نحن ندرس المسألة من ناحية القاعدة الشرعية، فالزواج هو عقد بين طرفين، وهناك خلاف فقهي بين مدرسة آل البيت (عليهم السلام) ومدرسة الصحابة، إذا صح التعبير، فالرأي الغالب عند إخواننا المسلمين من أهل السنة ، أنه لا بد في صحة العقد من وجود شاهدين عدلين، بينما في المذهب الإسلامي الشيعي، الغالب في رأي الفقهاء، أن الزواج يمثل عقداً شخصياً لا يحتاج في شرعيته إلى الشهود. على أي حال، بالنسبة إلى زواج المسيار، إذا تحقق العقد بين الطرفين، وكان هناك شاهدان، فهو صحيح، على رأي السنّة والشيعة . ومسألة النفقة أو ما أشبه ذلك من حقوق الزوجة، فالزوجة تملك حقها، ولها أن تطالب به أو تتركه أو تتنازل عنه، فالأمر يخصها من الناحية الشرعية في هذا المجال. وهكذا بالنسبة إلى زواج ما يسمى بـ«الفرند»، إذا اتفق الزوج مع الزوجة بإشراف الأهل وتحققت الشروط الشرعية من العقد ومن رضا الولي، فيكون العقد شرعياً من هذه الجهة، وإن كان هناك مَن يقول: بأن هذا الزواج، وإن كان شرعيّاً بالمعنى الفقهي، إلا أنّه يختلف عن طبيعة الأسس التي انطلق منها الزواج، وهي المساكنة والاستقرار وما إلى ذلك. ونحن نعتبر أن الأصل في الزواج هو العلاقة التي تؤكد الاستقرار والثبات والدوام، ولكن التطورات التي حصلت في العالم، وخصوصاً بالنسبة إلى تعقيدات المسألة الجنسية وتعقيدات الزواج في كل مستلزماته المالية وغير المالية، ربما جعلت مثل هذا الزواج حاجة ضرورية للشباب، يعصم فيها الشاب أو الفتاة نفسه بالطريقة الشرعية، مع تخفيف الالتزامات التي تترتب على الزوج في هذا المجال.
س: ولكن حتى كلمة «فرند» التي تعني الصداقة، تثير تساؤلات حول صحة مثل هذا الزواج؟
ج: عندما أُثيرت المسألة في قضية زواج «فرند» رفضنا هذا العنوان، وقلنا: إن هذا، وإن كان بحسب طبيعة الجانب الفقهي صحيحاً، إلاّ أنّ إعطاءه هذا العنوان يوحي بشرعية ما يقوم به الغربيّون من علاقات بعيدة عن أي أساس شرعي أو فقهي، لذلك رفضنا هذا العنوان الذي أُعطي لمثل هذا الزواج. نحن نعتقد أنّه لا مانع من أن يعقد الشاب زواجه على فتاة يعيش معها بين أهلها، ولكن إعطاء عنوان الصداقة يشبه حالة علاقة العشيق بعشيقته، وهذا مرفوض من الناحية الإسلامية على المستوى الأخلاقي الاجتماعي.
س: اللافت في مقررات المجمع الفقهي الإسلامي، ورود كلمة «النكاح الحديث». ما المقصود بذلك؟
ج: كلمة الحداثة هنا باعتبار أن هذا النوع من الزواج لم يكن مألوفاً في الماضي، وإنما استُحدث نتيجة بعض الضرورات أو الأوضاع التي تتصل بالقضية الجنسية، وهو أشبه ما يكون بزواج المتعة، أي: العقد المؤقت، وإن كان جمهور الفقهاء من أهل السنة لا يعتبرونه شرعياً؛ لأنهم يرون أن النبي(ص)، بعدما شرَّعه نسخه، لكن الشيعة لا يعتقدون بالنسخ في هذا المجال.
س: ما هو الفرق بين زواج المسيار والفرند، وزواج المتعة؟
ج: زواج المسيار دائم لا يحدد فيه وقت معين، بينما زواج المتعة مؤقت، كما أن زواج المتعة لا تستحق فيه الزوجة النفقة، بينما تستحق الزوجة النفقة في زواج المسيار، وإن كانت تتنازل عنه، أما بالنسبة إلى زواج الفرند، فليس فيه تنازل عن المهر أو النفقة، ويمكن أن يكون هناك شرط ضمن العقد بالتنازل عن النفقة. نحن نقول إن المشكلة بين الفقه الشيعي والفقه السني، هو أن الفقه السني لا يرى مشروعية لزواج المتعة؛ لأنّهم يعتبرون أنّ النبي(ص) شرّعه ثم ألغاه؛ ولكن الشيعة يعتقدون أن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب هو الذي ألغاه، ويروى عنه حتى من قِبَل بعض أهل السنة قوله: "إن متعتين كانتا على عهد رسول الله حلّلهما وأنا أحرّمهما وأعاقب عليهما"، حتى إن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس كانا يتحدثان بشرعيته في هذا المقام، وهناك أحاديث وردت عنهما بأنّهما تمتّعا على عهد رسول الله(ص) وأبي بكر وقسم من عهد عمر . ويحاول البعض أن يتحدث عن أن عمر حرّمه تحريماً إدارياً وليس تحريماً تشريعياً، ويعتقد الكثيرون من الباحثين عن الشيعة ، أن تشريع المتعة في البداية كان نتيجة الضرورة، والضرورة الآن هي أكثر قوةً وإلحاحاً من ذلك الوقت، كذلك من جهة الأوضاع الجنسية الموجودة في العالم، وصعوبة الزواج الدائم في التزاماته المالية وغيرها. لذلك يعتبر زواج المتعة حلاً لمشكلة الجنس، إضافةً إلى الحل في الزواج الدائم. وقد ورد عن الإمام (ع) قوله: [لولا ما نهى عنه عمر من أمر المتعة، ما زنى إلا شفا] أي: قليل، أو ما زنى إلا شقيّ.
س: هل أصبح للسنة زواجهم غير المتعارف عليه (المسيار، الفرند) على غرار الشيعة (المتعة)؟
ج: المسألة تخضع للجدل الفقهي حول زواج المتعة؛ هل شرعه رسول الله أم نسخه بعدما شرَّعه؟ لأنّ السنة والشيعة يتفقون على أنّه شُرِّع، لكنهم لا يتفقون على مسألة نسخه أو عدم نسخه. هذه المسألة لا بد من أن تبحث فقهياً بطريقة علمية. ونحن ندعو دائماً إلى بحث المسائل التي يختلف حولها السنة والشيعة ، سواء المسائل المتعلقة بعلم الكلام، أو المتعلقة بالفقه، بالطريقة العلمية، بحيث لا تكون مصدر تسجيل نقطة سلبية على هذا المذهب أو ذاك؛ لأن الخط الذي أرشدنا الله إليه فيما نختلف فيه هو: ((فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)). ونحن ندعو إلى تأسيس مجمع فقهي يجمع السنة والشيعة من أجل البحث في المسائل التي يختلفون حولها.
س: هناك انتقادات كثيرة توجّه إلى هذه الأشكال من الزواج، والبعض يطلق عليها نعوتاً سيئة، ولا يفرق بينها وبين المصاحبة أو المساكنة؟
ج: الزواج حالة شخصية، أما الجانب الرسمي، فهو يتصل بالتوثيق ولا يتصل بالشرعية، فلو أن شاباً أو فتاة تزوّجا على سنة الله ورسوله مع كل الشروط الشرعية للزواج، يصبحان زوجين أمام الله، حتى لو لم يوثَّق هذا الزواج عند الجهات الرسمية. نعم، قد يكون التوثيق ضرورياً من أجل حفظ حقوق كل واحد منهما عند الآخر من جهة، ومن جهة تحديد النسب للأولاد الذين يأتون من هذا الزواج.
س: لماذا هذا التشكيك الدائم بولاء المسلمين الشيعة لعروبتهم وأوطانهم؟ وكيف تنظر إلى ما صدر عن الرئيس حسني مبارك في هذا الخصوص أخيراً؟ واللافت أن ردّكم عليه كان هادئاً؟
ج: كنا نحاول أن نناقش الرئيس حسني مبارك مناقشة موضوعية، ونتصور أن التقارير التي قدِّمت إليه عن وضع المسلمين الشيعة في البلاد التي يسكنون فيها، كانت غير دقيقة في هذا المجال؛ لأننا عندما ندرس تاريخ الشيعة ، نجد أنّهم في العراق، ومن موقع المرجعيات الدينية في النجف الأشرف، أعلنوا الجهاد ضد البريطانيين عندما أرادوا احتلالها، للدفاع عن الحكومة العثمانية التي كانت مسيطرة على العراق، وهي حكومة سنية، ولم يكن سلوكها مع الشيعة إيجابياً؛ لأنّ الشيعة من خلال مرجعياتهم مخلصون لبلدهم وإسلامهم. وهكذا عندما ندرس الشيعة في لبنان، والذين كانت لهم المبادرة في تحرير لبنان، باعتبار أنهم يؤمنون بضرورة تحرير بلدهم من المحتل الإسرائيلي. وهكذا عندما ندرس الشيعة في الخليج وفي أي موقع من المواقع، كما في باكستان أو الهند، فإننا نجد أنهم يمارسون مسئولياتهم في وطنهم كما يمارسها الآخرون، وليست لهم علاقات مع إيران إلا من خلال الجانب الثقافي، أو من خلال اللقاء مع السياسة الإيرانية في مسألة المواجهة مع إسرائيل وأميركا وغير ذلك، تماماً كما هم غير الشيعة الذين قد يلتقون مع إيران أو مع مصر أو ما أشبه ذلك في سياستهم.
س: ملك الأردن عبد الله الثاني سبق الرئيس المصري وتحدث عن هلال شيعي؟
ج: نعتقد أن هناك عقدة تاريخية ضد المسلمين الشيعة من خلال أجواء التخلف الموجودة في كثير من مواقع العالم الإسلامي من جهة، ومن خلال موقف المسلمين الشيعة في مواجهة الاستكبار العالمي، الذي قد يكون له دور في هذه الحرب المعلنة ضدّهم من قبل بعض الذين يلتقون في سياستهم مع الاستكبار العالمي من جهة أخرى.
س: ولكن الشيعة يهادنون هذا الاستكبار العالمي في العراق؟
ج: نعتقد أن مسألة العراق من المسائل المعقّدة، ولا نعتقد أن الشيعة هم الذين أتوا بالأميركيين والبريطانيين إلى العراق؛ لأن أميركا أساساً كانت تخطط منذ الثمانينات لاحتلال العراق لتأمين مصالحها الإستراتيجية التي عبرت عنها مراراً، ونلاحظ أن الشعار الأميركي عندما قررت أميركا البدء باحتلال العراق، كان نزع أسلحة الدمار الشامل، حتى إنها لم تتحدث آنذاك عن النظام العراقي من ناحية سلبيته ضد شعبه؛ لأن النظام العراقي كان نظاماً أميركياً، من خلال علاقة صدام حسين بالمخابرات الأميركية، وتنفيذه الكثير من مخططات أميركا، بما فيها احتلال الكويت.
لذلك، الشيعة ليسوا هم الذين جاءوا بأميركا إلى العراق، ولكن إسقاط النظام العراقي خفف عنهم الضغط الذي كان يمارسه طاغية العراق بشكل غير معقول على كل الواقع الإسلامي الشيعي وحتى غير الشيعي، مثل الأكراد وبعض المسلمين السنة. ونحن نلاحظ في هذا المجال، أن الشيعة في البصرة لم يستقبلوا الاحتلال الأميركي بالورود، بل استقبلوه بالرصاص، ونعرف أن المرجعيات الدينية الشيعية، وفي مقدمهم السيد علي السيستاني، رفض استقبال أي مسئول أميركي، حتى إن الرئيس جورج بوش أرسل إليه رسالة في المدة الأخيرة، ولكنه لم يمسكها بيده ولم يقرأها.
فـالشيعة ليسوا مع الاحتلال، بل هم ضده؛ ولكن التعقيدات التي أحاطت بالواقع العراقي، وعدم وجود أي فرص للمواجهة في تلك المرحلة، هو الذي أعطى هذا الانطباع. وإذا كانوا يتحدثون عن أن الشيعة هم الذين هادنوا المحتل، فلماذا لا يتحدثون عن السنة الأكراد وعن السياسيين السنة الذين شاركوا في مجلس الحكم الانتقالي والحكومات؟ لكن المسألة هي أنّ هناك سياسة في أكثر من موقع في العالم العربي والإسلامي تريد تسجيل النقاط السوداء ضد الشيعة ، من دون دراسة موضوعية للواقع الذي عاشه الشيعة في العراق. ونحن عندما نريد تحليل هذه المسألة من ناحية واقعية وموضوعية، لا نتحدث مذهبياً، نحن ندعو إلى وحدة العراقيين، والى الوحدة الوطنية والوحدة الإسلامية في العراق، حتى إنني بحسب الخط السياسي، ضد الفيدرالية في العراق.
س: وجِّهت خلال الفترة الماضية انتقادات حادة ضد الذين يقومون بعمليات تطال المدنيين في العراق، ووصفتهم بالتكفيريين، كما كانت هناك دعوات إلى مواجهتهم؟
ج: نحن نعتقد أن التكفيريين ليسوا مشكلة الشيعة وحدهم في العراق، بل إنهم يقومون باستحلال دم السنّة الذين لا يتفقون معهم في الرأي في أيّ مكان، لذلك هم مشكلة العالم الإسلامي كله، وإلا، فماذا يصنع التكفيريون في السعودية أو المغرب أو باكستان التي حملت إلينا الأخبار أنهم فجَّروا فيها احتفالاً بذكرى المولد النبوي الشريف لجماعة من أهل السنة . مشكلة التكفيريين تمتدُّ إلى كل العالم الإسلامي، لتطال كل الذين لا يتفقون معهم في الرأي، ولكن المسألة هي أن هناك تحالفات بين التكفيريين وبعض الفئات العراقية، ونحن لا نبرئ الاحتلال الأميركي من أنه يقف وراء الكثير من المجازر الوحشية؛ لأنه يريد البقاء طويلاً في العراق، ومن الطبيعي أن بقاء الخلل الأمني يفسح له في المجال لذلك، بحجة أن خروجه من العراق يؤدي إلى حرب أهلية، وأنّ بقاءه هو من أجل حفظ الأمن للعراقيين.
س: ألا ترى أن ما يجري في العراق هو حرب أهلية؟
ج: حتى الآن، لم تصل الأوضاع في العراق إلى الحرب الأهلية؛ ولكن هناك بعض ردود الفعل على ما يحصل توحي بذلك، ولكنها ليست على مستوى الأوضاع العراقية كلها.
س: الآن هناك أزمة تشكيل الحكومة في العراق، وهناك رفض لتولي إبراهيم الجعفري رئاسة الحكومة. كيف تقرءون ذلك؟
ج: عندما ندرس مسألة الجعفري بعقل بارد، نلاحظ أن الرئيس بوش بعث برسالة إلى السيد عبد العزيز الحكيم، يرفض فيها ترؤس الجعفري للحكومة العراقية؛ لأن أميركا لا تريد إسلامياً يترأس الحكومة العراقية، وتدخلت أميركا، بحسب معلوماتنا، لدى الكثيرين من السياسيين العراقيين على مستوى الأكراد والمسلمين السنة لرفض ترؤس الجعفري للحكومة، بحجّة أن الجعفري لم يستطع أن يحل مشكلة الأمن، ولكن الجميع يعرفون بالبداهة، أن الأمن من مسئولية قوات الاحتلال الأميركي التي لم تمنح الجيش العراقي الأسلحة الثقيلة المتطورة، ولم تمنح الشرطة الأسلحة التي تستطيع بها حتى أن تدافع عن نفسها، فضلاً عن سيطرتها على كل الأجهزة الأمنية الداخلية، وسيطرة مخابراتها والمخابرات الإسرائيلية على كل الواقع العراقي، إضافةً إلى عدم تمكين العراقيين من حل المشكلة الخدماتية، بل إن الإعلام الأميركي حمل إلينا أن شركات أميركية وهمية تعاقدت بالمليارات من دون أن تقدم شيئاً. ونعتقد أن الاحتلال الأميركي لا يسمح لأي حكومة عراقية، أياً كانت، بالنجاح في هذا المجال؛ لأنّ نجاحها يعني المطالبة بخروج الاحتلال. وأتصور أنه لو أزيح السيد الجعفري عن رئاسة الوزراء، وجاءت أي شخصية أخرى، فلن تستطيع النجاح؛ لأن أميركا لن تسمح لها بالنجاح الذي يحقق للعراق استقراره.
س: استنكرت العمليات التي تستهدف المدنيين في العراق، ومنذ أيام، وقعت عملية استهدفت المدنيين في إسرائيل، ألا ترى أن قتل المدنيين أينما كان، أمر مستنكر؟
ج: هناك فرق بين العمليات التي تتحرك في حالة الحرب، والعمليات التي تتحرك بعيداً عن الحرب. ما يحدث في العراق، أو ما حدث في السعودية أو في الدار البيضاء أو باكستان، ليس مبرَّراً شرعاً؛ لأن هذه التفجيرات انطلقت من خلال عقدة تكفيرية لدى الأفرقاء الذين يقومون بها، من دون أن تكون هناك أي حالة حرب. أما في فلسطين، فإنّ هناك حالة حرب بين الفلسطينيين واليهود، ونحن نعرف أن اليهود احتلوا أرض فلسطين، واستخدموا الأسلحة المتطورة التي لا تستخدم إلا في الحروب الكبرى، وعملوا على تدمير البنية التحتية للفلسطينيين، ويواصلون الاعتقالات والقتل وجرف المزارع ومصادرة الأراضي وطرد الناس من بيوتهم، من دون أن يكون لدى الفلسطينيين أي قدرة على مواجهة مثل هذه الترسانة العسكرية المتطورة التي تقدّمها أميركا لإسرائيل.
الفلسطينيون يعيشون حالة دفاع عن النفس، وهناك صراع بين الأمن الإسرائيلي والأمن الفلسطيني، فالفلسطينيون يقومون بهذه العمليات ليقولوا للإسرائيليين: إنّه لا يمكن أن يكون لكم أمن إن لم نحصل نحن على أمن. لذلك نعتبر أن العمليات التي يقوم بها الفلسطينيون هي عمليات جهادية استشهادية؛ لأنّ الفلسطيني لا يستطيع أن يقاوم هذه الوحشية الإسرائيلية، إلا بأن يحوِّل جسده قنبلة تنفجر في الواقع الإسرائيلي. وإذا كان البعض يتحدثون عن المدنيين في الكيان الصهيوني، فإن هناك مدنيين في الواقع الفلسطيني، ونعرف أن الحروب عندما تتحرك، يسقط فيها الأبرياء من المدنيين هنا وهناك.
إن المسألة في هذا المجال، هي أن هناك حرباً، والفلسطينيون لا يستهدفون قتل الطفل أو المرأة أو الشيخ أو المدني اليهودي، ورسالتهم إلى اليهود أن أخرجوا من أرضنا ولن تطلق منا أي رصاصة، ولن تنفذ أي عملية، ولكن إسرائيل بالتحالف مع أميركا ومع الاتحاد الأوروبي أخيراً، لا تتحدث عن الانسحاب من الأراضي المحتلة، بل تصادر الأراضي الفلسطينية، وتطرد الفلسطينيين من بيوتهم، وتضيّق عليهم بالجدار العازل الذي أصدرت المحكمة الدولية قراراً بعدم شرعيته. ولقد سمعنا أمريكا وأوروبا وروسيا، وحتى السلطة الفلسطينية وبعض الدول العربية تستنكر العمليات الاستشهادية التي حدثت في تل أبيب، ولكننا لم نسمع صوتاً واحداً يستنكر ما حدث من مجازر بحق الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية واعتقال الآلاف من الفلسطينيين. المسألة هي أن هناك احتراماً للإنسان اليهودي، أما الإنسان العربي والفلسطيني فإنهم لا يحترمونه؛ لأنّهم يعتبرون العرب حشرات، كما عبّر بعض حاخامات اليهود.
س: ولكن هناك انقساماً فلسطينياً حول مثل هذه العمليات، فالرئيس الفلسطيني محمود عباس وصفها بالحقيرة، في حين أيدتها حكومة حركة حماس. كيف يمكن التوفيق بين هذين المنطقين؟
ج: إن وجهة نظر حماس التي استمعنا إليها، تقول: إن العالم، بما فيه العالم العربي، يطلب من الحكومة الفلسطينية الجديدة أن تعترف بإسرائيل؛ ولكنه لا يطلب من إسرائيل أن تعترف بحقوق الشعب الفلسطيني، كما يُطلب من حماس الآن أن تعترف بالمبادرة العربية التي صدرت من القمة العربية في بيروت، والتي لم تتحرك خطوة واحدة على مستوى قبول أميركا لها؛ لأن أميركا قالت: إن المبادرة العربية تصلح لأن تكون أساساً لمفاوضات، كذلك فإنّ إسرائيل على لسان آرييل شارون لم تقبل هذه المبادرة؛ ولكنها صادرتها كما لو أنها ليست موجودة، إضافة إلى أنّ اتفاق أوسلو لم يستطع أن يحقق شيئاً.
حماس تقول: يطالبوننا بالاعتراف بإسرائيل وبالمفاوضات التي لم تنته إلى نتيجة. الرئيس الأميركي وافق على ما أراده شارون، واعترف بالصفة اليهودية للدولة العبرية، وصرح بمنع عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم رغم قرار مجلس الأمن الدولي (194) وهكذا نجد أنّ إسرائيل لم تنفّذ شيئاً من كل الاتفاقات التي تم التوصل إليها في المفاوضات، وكذلك الأمر بالنسبة إلى أميركا، حتى إن الرئيس بوش الذي تحدث عن دولتين فلسطينية ويهودية، لم يتحرك خطوة واحدة في الضغط على إسرائيل من أجل تحقيق هذه الدولة الفلسطينية، بل إنه يتابع كل مشاريع إسرائيل في مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات والجدار العنصري الفاصل، مما لا يمكن معه إيجاد دولة فلسطينية حقيقية.
س: يعيش لبنان منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري أزمة حقيقية على كل المستويات، واليوم، كل الأنظار تتجه إلى مؤتمر الحوار الوطني الذي توقف عند بندي رئاسة الجمهورية وسلاح المقاومة. ماذا تقول في هذا المجال؟
ج: أعتقد أن مؤتمر الحوار وصل إلى طريق مسدود؛ لأن النقطتين الباقيتين على جدول الأعمال هما:
أولاً: مسألة رئاسة الجمهورية، وأصبح الجميع يعرفون أن رئيس الجمهورية سوف يكمل ولايته إلى آخر دقيقة.
وثانياً: مسألة سلاح المقاومة، حيث تطالب المقاومة النادي السياسي اللبناني والحكومة، بتقديم خطة متكاملة للدفاع عن لبنان أمام إمكانية قيام العدو الإسرائيلي باعتداء عليه، والذي يتحرك يومياً بطائراته وكل أسلحته وإمكاناته. ولذلك نرى أنه ليست هناك أي ضمانات للبنان ألا تعتدي عليه إسرائيل، حتى من أميركا التي يتحدث رئيسها بوش مع رئيس وزراء لبنان أنه يريد لبنان حراً سيداً مستقلاً؛ ولكنه لم يتحدث عن الاحتلال الإسرائيلي بكلمة. وقد انطلق ما يسمى المجتمع الدولي لتأكيد تنفيذ القرار (1559) الذي صُنع لمصلحة إسرائيل، واعترف بذلك وزير الخارجية الإسرائيلي السابق سيلفان شالوم، الذي أعلن أن هذا القرار صُنع في إسرائيل وتبنّته أميركا وفرضته على مجلس الأمن. نحن نعتقد أنه ليس هناك مجتمع دولي، بل هناك أميركا وحلفاؤها، أما العالم الذي تمثل دوله غالبية الشعوب، فقد أبعد عن أي قرار؛ لأن أميركا صادرت قرارات العالم كله في إمبراطوريتها الاستكبارية.
س: في ظل مؤتمر الحوار، جرت محاولة لاغتيال الأمين العام لـ حزب الله السيد حسن نصر الله ؟
ج: هذه المسألة منتظرة في كل وقت؛ لأنّ كل القادة الفاعلين في لبنان، والذين يواجهون العدوان الإسرائيلي والأميركي، هدف لكل البنادق والتفجيرات، وهذه المسألة لم تفاجئنا، وربما نواجه أموراً كثيرة لشخصيات أخرى.
س: ما هي استهدافاتها السياسية؟
ج: ربما تكون في إطار الفتنة السنية ـ الشيعية، وذلك عندما تحدث البعض عن أن هؤلاء الذين خططوا لهذه العملية هم من فريق آخر من المسلمين، ولكننا نعرف أن المسلمين من السنة والشيعة في لبنان، يعيشون حالة من الوحدة الإسلامية على مستوى المرجعيات الدينية والسياسية والواقع الشعبي.
س: في موضوع الفتنة بين السنة والشيعة ، هناك كلام كثير عن أن ما يجري في العراق ينعكس في لبنان؟
ج: لبنان يملك مناعة حيال كل ما يحدث في العالم العربي. الحروب في لبنان انطلقت من خلال التخطيط الأميركي، حتى إن الحرب الماضية انطلقت من خلال وزير خارجية أميركا الأسبق هنري كيسنجر لتصفية القضية الفلسطينية، أما في الواقع المعاصر والمستقبل المنظور، فقد تجاوز لبنان حال الحرب.
صحيفة "الرأي العام": 23/4/2006م